فصل: موعظة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فصل في أسباب الحسد:

ثُمَّ اعْلم أن للحسد أسباباً.
الأول: العداوة والبغضاء وهَذَا أشد أسباب الحسد.
الثاني: التعزز والترفع وَهُوَ أن يثقل عَلَيْهِ أن يرتفع عَلَيْهِ غيره فإِذَا أصاب أحد زملائه ولاية أو مالاً خاف أن يتكبر عَلَيْهِ وَهُوَ لا يطيق تكبره وافتخاره عليه.
السبب الثالث: الكبر وَهُوَ أن يكون فِي طبعه أن يتكبر عَلَيْهِ ويستحقره ويستصغره ويستخدمه فإِذَا نال ولايةً خاف أن لا يحتمل تكبره ومن التكبر والتعزز كَانَ حسد أكثر الكفار لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذ قَالُوا: كيف يتقدم علينا غلام يتيم فنطأطئ رؤوسنا له. فَقَالُوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}.
السبب الرابع: التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ: {قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسل والوحي والقرب من الله بشر مثلهم فحسدوهم وأحبوا زَوَال النعمة عنهم.
الخامس: الخوف من فوت مقصد من المقاصد وَذَلِكَ يختص بمتزاحمين عَلَى مقصود واحد وَذَلِكَ مثل الضرات عِنْدَ زوجهن والتلاميذ عِنْدَ الأستاذ والإخوة فِي التزاحم عَلَى نيل المنزلة فِي قلب الأبوين ليتوصل به إلي مقاصد الكرامة والْمَال وخدام الملك فِي نيل المنزلة من قلبه.
السادس: حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غَيْرِ توصل به إلي مقصود وَذَلِكَ كالرجل الَّذِي يريد أن يكون عديم النظير فِي فن من الفنون إِذَا غلب عَلَيْهِ حب الثناء والمدح واستفزه الفرح بما يمدح به، فإنه لَوْ سمِعَ بنظيرأً لَهُ فِي أقصي أقطار الأرض لساءه ذَلِكَ، وأحب موته أو زَوَال تلك النعمة التي عِنْدَ الَّذِي يشاركه بِهَا فِي المنزلة من شجاعة أو علم أو صناعة أو جمال أو ثروة أو نحو ذلك.
السابع: خبث النفس وحبِهَا للشر وشحها بالْخَيْر لعِبَادِ اللهِ، فتجد المتصف بذَلِكَ إِذَا ذكر لَهُ اضطراب ونكبات تصيب النَّاس وإدبارهم وفوت مقاصدهم وتنغيص عيشهم استنار وجهه وفرح به وصار يبثه وَرُبَّمَا أتي بإشاعته فِي صورة الترحم والتوجع فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله عَلَى عباده كأنه يؤخذ ما أعطاهم الله من ماله وخزانته، عَلَى أنه لَيْسَ بينه وبينهم عداوة وهَذَا لَيْسَ لَهُ سبب إلا التعمق فِي الخبث والرذالة والنذالة والخساسة فِي الطبع اللئيم ولذَلِكَ يعسر معالجة هَذَا السبب لأنه جهول ظلوم ولَيْسَ يشفِي علة صدره ويزيل حزازة الحسد الكامن فِي قَلْبهِ إلا زَوَال النعمة فحينئذ يتعذر الدواء أو يعز ومن هَذَا قول بعضهم.
وَكُلٌّ أُدَاوِيْهِ عَلَى قَدْرِ دَائِهِ ** سِوَى حَاسِدِي فَهْيَ الَّتِي لاَ أَنَالُهَا

وَكَيْفَ يُدَاوِيْ المَرْؤُ حَاسِدَ نِعْمَةٍ ** إِذَا كَانَ لاَ يُرْضِيْهِ إلا زَوَالُهَا

قال بَعْضهمْ: رَأَيْت أكثر النَّاس إلا من عصم الله وقليل ما هم يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم فِي الدُّنْيَا ويحتقبون عَظِيم الإثم الموجب للنار فِي الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً من نيات خبيثة يحرصون عَلَيْهَا من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب لَهُ وتمني أشد البَلاء لمن يكرهونه وقَدْ علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل شيئاً مِمَّا يتمنونه أو توجب كونه وأنَّهُمْ لَوْ وصفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الرَّاحَة لأنفسهم وتفرغوا بذَلِكَ لمصالح أمورهم، ولا اقتنوا عَظِيم الأجَر فِي المعاد، من غَيْر أن يؤخر ذَلِكَ شيئاً مِمَّا يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عَلَيْهَا اهـ.
وأما الأسباب الأخرى فيتصور إزالتها فِي المعالجة, وقَدْ تجتمع أسباب الحسد المذكور كُلّهَا فِي شخص واحد أو أكثرها.
أَعْطَيْتُ كُلَّ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي الرِّضَا ** إلا الحَسُودَ فِإَنَّهُ أَعْيَانِي

لاَ أَنَّ لِي ذَنْباً لَدَيْهِ عَلِمْتُهُ ** إلا تَظَاهُرُ نِعْمَةِ الرَّحْمَن

يَطْوِيْ عَلَى حُنْقٍ حَشَاهُ لأًنْ رَأى ** عِنْدِيْ كَمَالُ غِنَى وَفَضْلُ بَيَانِ

مَا إِنْ أَرَى يُرْضِيِهِ إلا ذِلْتِي ** وذَهَابُ أَمْوَالِي وَقَطْعُ لِسَانِي

وقَدْ ذكر العلماء للحسد دواءً فأولاً أن تعرف أنه ضرر عَلَيْكَ فِي الدين والدُّنْيَا ولا ضرر به عَلَى المحسود لا فِي الدُّنْيَا ولا فِي الدين بل ينتفع به فيهما جميعاً أما ضرره فِي الدين فلأنه سخط لِقَضَاءِ الله وقدره، وكراهة لنعمته عَلَى عبده المُؤْمِن وانضم إليه غش المسلم وترك نصحه وترك الْعَمَل بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وانضم أيضاً إلي ذَلِكَ أنه شارك إبلَيْس وهذه خبائث تأكل الحسنات وأما ضرره فِي الدُّنْيَا فإنه الألم النقد الحاضر والْعَذَاب الدائم.
وأما كونه لا ضرر عَلَى المحسود فواضح لأن النعمة لا تزول بالحسد وأما منفعته فِي الدُّنْيَا للمحسود فهو أن أهم مقاصد أكثر أبناء الدُّنْيَا إيصال الضَّرَر والهم إلي أعدائهم وَهُوَ متوفر فِي الحسد وقَدْ فعل الحاسد بنفسه مرادهم فأَنْتَ بالحَقِيقَة عدو لنفسك وصديق لعَدُوّكَ ومَعَ هَذَا كله فقَدْ أدخلت السرور عَلَى إبلَيْسَ وَهُوَ أعدي عدو لك ولغيرك ولَوْ عقُلْتُ تماماً لعكست وكلفت نفسك نقيض الحسد إذ أن كُلّ مرض يعالج بضده فمثلاً يكلف لِسَانه الثناء عَلَيْهِ من غَيْرِ كذب ويلزم نَفْسهُ بره إن قدر فهذه الأفعال تعمل مقاربة تطيب قلب المحسود ويحب الحاسد ويصير ما يتكلفه أولاً طبعاً آخراً ولا يعمل بوساوس الشيطان إن هَذَا عجز ونفاق وخوف لأن ذَلِكَ من خدعه ومكائده فهَذَا الدواء إلا أنه مر قل من يقدر عَلَيْهِ قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} الآية وبالتالي فإن خَيْر ما للمرء أن يكون مستريحاً فِي دنياه لعل الله أن يجعله من أَهْل الْجَنَّة فِي أخراه.
وفِي الدُّنْيَا فِي أمن وفِي رغد هَذَا شَيْء متحقق وقديماً قيل:
يَا طَالِبَ العَيْشِ فِي أَمْنٍ وَفِي دَعَةٍ ** رَغْداً بَلاَ قَتَرٍ صَفْواً بَلاَ كَدَرِ

خَلِّصْ فُؤَادَكَ مِنْ غِلٍّ وَمِنْ حَسَدٍ ** فَالغِلُّ فِي الْقَلْبِ مِثْلُ الغِلِّ فِي العُنُق

آخر:
مَتَى تَجْمَعَ الحَسْدَ العَمِيْقَ وَغِيْبَةً ** وَنَماً وَكَذِباً تَخْتَطِبْكَ المَنَاصِبُ

وَإِنْ تجْمَع الإخْلاَصَ والزُهْدَ وَالتُقَى ** وَعِْلماً وَحِلْماً تَجْتَنِبْكَ المَرَاتِبُ

آخر:
لَمَا عَفَوْتَ وَلم أحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ ** أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاَواتِ

إِنّي أُحَيّي عَدُوّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ** لأَدْفَعَ الشَرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَاتِ

وَقَالَ آخر:
إِلْقِ الْعَدُوِّ بِوَجْهِ لا قُطُوبَ بِهِ ** يَكَادُ يَقْطُرُ مِنْ مَاءِ البَشَاشَاتِ

فَأحَزَمُ النَّاسِ مَنْ يَلْقَى أَعَادِيَهُ ** فِي جِسْمِ حِقْدٍ وَثَوْبٍ مِنْ مَوَدَاتِ

آخر:
أُجَامِلُ أَقْوَاماً حَيَاءً وَقَدْ أَرَى ** صُدُوْرَهُمُ بَادٍ عَلَى مِرَاضُهَا

والطَرِيق الوحيد أن تعلم تماماً أن الْخَيْر كله فِي أن لا يكون فِي نفسك لأحد من المُسْلِمِيْنَ غش ولا تحسد أَحَداً عَلَى خَيْر أعطاه الله إياه ثُمَّ أي ضرر يحصل لك لَوْ كَانَ غيرك فوقك فِي الْمَال أو فِي المنصب، إنه مسكين، ما نقص من دنياك ولا من آخرتك مثقال ذرة.
وإِذَا رَأَيْت قلبك صافياً محباً لإخوانك من المُسْلِمِيْنَ الْخَيْر كارهاً لهُمْ ما تكره لنفسك، فهذه بشارة للمستقيم، وليسمَعَ إلي ما ورد عن أنس بن مالك قال كنا جلوساً عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يطلع الآن عليكم رجل من أَهْل الْجَنَّة» فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قَدْ علق نعَلَيْهِ بيده الشمال.
فَلَمَّا كَانَ الغد قال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع الرجل عَلَى مثل حاله الأول فَلَمَّا قام النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تبعه عَبْد اللهِ بن عمرو أي تبع ذَلِكَ الرجل فَقَالَ إني لاحيتُ أبي، فأقسمت أني لا أدخل عَلَيْهِ ثلاثاً، فإن رَأَيْت أن تؤريني إليك حتي تمضي فعلت قال نعم قال أنس فكَانَ عَبْد اللهِ يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئاً غَيْرَ أنه إِذَا تعارَّ من الليل ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ وكبر، حتي قام لصلاة الفجر.
قال عَبْد اللهِ غَيْرَ أني لم أسمعه يَقُولُ إلا خيراً فَلَمَّا مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله قُلْتُ يا عَبْد اللهِ لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أَهْل الْجَنَّة» فطلعت أَنْتَ الآن فأردت أن آوي إليك فأنظر عملك فأقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل فما الَّذِي بلغ بك ما قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ما هُوَ إلا ما رَأَيْت فَلَمَّا وليت دعاني فَقَالَ ما هُوَ إلا ما رَأَيْت غَيْرَ أني لا أجد فِي نفسي لأحد من المُسْلِمِيْنَ غشاً ولا حسداً عَلَى خَيْر أعطاه الله إياه فَقَالَ عَبْد اللهِ هذه التي بلغت بك. رواه أَحَمَد بإسناد صحيح.
كُلُّ العَدَاوَاتِ قَدْ تُرْجَى مَوَدَّتُهَا ** إلا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاكَ مِنْ حَسَدِ

فَإِنَّهَا نُكْتَةٌ فِي الْقَلْبِ ثَابِتَةٌ ** ولَيْسَ يَدْفَعُهَا شَيْءٌ سِوَى الصَّمَدِ

آخر:
إِنَّ العَرَانِيْنَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ** وَلاَ تَرَى لِلِئَامِ النَّاسِ حُسَّادَا

مَا ضَرِنْي حَسَدُ اللِّئَامِ وَلم يَزَلْ ** ذُوْ الفَضْلِ يَحْسُدُهُ ذَوُوْ النُقْصَانِ

يَا بُؤْسَ قَوْمٍ لَيْسَ جُرْمُ عَدُوّهِمْ ** إلا تَتَابُعُ نَعْمَةِ الرَّحْمَن

.موعظة:

عِبَادَ اللهِ إن داء الحسد من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوي، يحمل صاحبه عَلَى مركب صعب، ويبعده عن التقوي، ويركبه الأهواء فيظِلّ ويغوي، يضيق صدر الحسود وينفطر قَلْبهُ إِذَا رأي نعمة الله عَلَى أخيه المسلم فيعاني من البؤس واللأوي، ما لا يستطيع أن يبث معه ما يجده من الحزن والقلق، ولا يقدر عَلَى الشكوي، إلا إلي الشيطان ونفسه الأمارة بالسُّوء أو من هُوَ مثله فِي الحسد، فقاتل الله الحسود لا يفعل الْخَيْر ولا يحبه لإخوانه المسلمين، غاية أمنيته زَوَال نعمة الله عن عباده إنه بعمله سالك طَرِيق إبلَيْسَ لعنه الله، فما أوقع الشيطان فِي معصية الله إلا حسده لأبينا آدم وامتناعه من السجود بعد ما أمره الله، وما حمل قابيل عَلَى قتل هابيل إلا حسده لأخيه حيث تقبل الله منه قربانه الَّذِي أراد به وجه الله والدار الآخرة وما منع المشركين والمترفين من اتباع الرسل إلا الحسد والكبر، وما حمل أَهْل اْلكِتَاب عَلَى كراهة الدين الإسلامي وصرف المُسْلِمِيْنَ عن كتاب الله والإيمان بسيد الرسل وخاتمهم إلا ما ذكره الله عنهم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} الآية، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». الحاسد لا يضمر إلا غدراً ولا يعمل إلا شراً ولا يدبر إلا مكراً. وجملة القول أن الحاسد ميسر للعسري لا تجدي معه المواعظ والنصائح وقَدْ قيل إن بضاعة إبلَيْسَ خمسة أصناف يبيعها من قوم معروفين، وهي الحسد وأهله العلماء، وأَهْل الحرفة الواحدة، أي كُلّ من يتفق عملهم مسلمين أو غَيْر مسلمين، والكبر وأهله الأنذال والسفلة والسفهاء والحمقاء ومن لا خَيْر فِيه من المحترفين المنحرفين.
لِكُلِّ امْرِىءٍ شَكْلُ مِنْ النَّاسِ وَحْدَهُ ** فَأَرْجَحُهُمْ عَقْلاًً أَقَلُهُمْ شَكْلا

وَكُلُ أُنَاسٍ يُعْرَفُوْنَ بِشَكْلِهِمْ ** فَأْكْثَرُهُمْ شَكْلاً أَقَلُهُمْ عَقْلا

وَإِنَّ كَبِيْرَ العَقْلِ لَيْسَ بِوَاجِدٍ ** لَهُ بَيْنَ أَلْفٍ حِيْنَ يَفْقِدُهُ مِثْلا

وَكُلُ سَفِيهٍ طَائِشٍ إِنْ فَقَدْتَهُ ** وَجَدْتَ لَهُ فِي كُلِّ زَاوْيَةٍ عِدْلا

آخر:
فَشَرْطُ الفِلاحَةِ غَرْسُ النَّبَات ** وَشَرْطُ الرّيَاسَةِ غَرْسُ الرِجَّال

فَإِنْ لم تُعَاشِرْ سِوَى كَامِلٍ ** بَقِيْتَ وَحِيْداً لِعِزِّ الكَمَال

والجور والطغيان، وأهله الملوك والأمراء والوزراء والعظماء، وأعوأنهُمْ من الفسقة والمجرمين، والكيد وأهله النساء، والنمامين والدلالين، والمنسببين وبئست البضاعة بضاعة الشيطان، ويا حَسْرَة المشترين، ويا ندامتهم: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} قيل إنه كَانَ رجل يغشي أحد الملوك فيقوم بحذاء الملك فَيَقُولُ أحسن إلي المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل عَلَى ذَلِكَ المقام، والكلام فسعي به إلي الملك، فَقَالَ إن هَذَا الَّذِي يقوم بحذائك وَيَقُولُ وَيَقُولُ ما يَقُولُ يزعم أنك أبخر، فَقَالَ لَهُ الملك وكيف يصح ذَلِكَ عندِي، قال تدعوه إليك فإنه إِذَا دنا منك وضع يده عَلَى أنفه لئلا يشم رائحة البخر، فَقَالَ لَهُ انصرف حتي أنظر وأتحقق ذَلِكَ، فخرج من عِنْدَ الملك، فدعا الحاسد ذَلِكَ الرجل إلي منزله فأطعمه طعاماً فِيه ثوم فخرج الرجل من عنده وذهب إلي الملك عَلَى عادته وقام بحذاء الملك فَقَالَ أحسن إلي المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فَقَالَ لَهُ الملك ادن مني، فدنا منه ووضع يده عَلَى فِيه، مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فَقَالَ الملك فِي نَفْسهِ ما أري فلانَا إلا صدَقَ، قال وكَانَ الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزةٍ أو صلةٍ فكتب له كتاباً بخطه إلي عاملهِ قال فيه إذا أتاك حاملُ كتابي هَذَا فاذبحه واسلخه، واحش جلده تبناً وابعث به إلي، وأخذ اْلكِتَاب وخرج فلقيه الرجل الَّذِي سعي به إلي الملك وكذب عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: ما هَذَا اْلكِتَاب قال خط الملك لي به صلة فَقَالَ هبه لي فَقَالَ هُوَ لك فأخذه، الساعي ومضي به إلي عامل الملك، فَقَالَ لَهُ العامل: فِي كتابك أني أذبحك وأسلخك فَقَالَ إن اْلكِتَاب لَيْسَ لي، فالله الله، فِي أمري حتي تراجع الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشي جلده تبناً، وأرسله للملك كعادته وَقَالَ مثل قوله، فتعجب الملك، ثُمَّ عاد الرجل إلي الملك كعادته وَقَالَ مثل قوله، فتعجب الملك، وَقَالَ لَهُ ما فعل اْلكِتَاب، فَقَالَ لقيني رجل هُوَ فلان فاستوهبه مني فوهبته لَهُ، قال لَهُ الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قُلْتُ ذَلِكَ، قال فلم وضعت يدك عَلَى فيك قال لأنه أطعمني طعاماً فِيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال صدقت، ارجع إلي مكانك، فقَدْ كفِي المسيء إساءته فَانْظُرْ يا أخي كيف دارت عَلَى الباغي الدوائر واسأل ربك أن يعافيك من هذه الأمراض الفتاكة التي ربما قضت عَلَى حَيَاته وأوصلته فِي الآخرة نار جهنم.
وختاماً فعَلَى اللبيب أن يتجنب الحسد فإنه من خلق الأدنياء وصفة الجهلاء فإن أبصرت بقائم فاعضده ويسر لَهُ السبيل حسب استطَاعَتكَ وإن رَأَيْت نعمة أسبغها الله عَلَى عبد من عباده فاسع إلي مثلها بقلب طاهر ووجدان نقي لعلك أن تبلغها بإذن الله.
فعزيزة النفس إن أبصر غيره فِي أمر يثني عَلَيْهِ به، أو رآه فِي منزلة يغبط عَلَيْهَا فلا يجول فِي وهمه أن يحسده عَلَى نعمته أو يحط من منزلته بل يسعي كُلّ السعي لينال مثل مناله ويرقي مثل رقيه فإن زادت فِيه عزة النفس والإباء فلا يرضي لنفسه إلا بما فوق ذَلِكَ المقام:
أَسَأْتُ فَمَا عُذْرِيْ إِذَا انْكَشَفَ الغِطَا ** وَأَظْهَرَ رَبُّ العَرْشِ مَا أَنَا أسْتُرُ

إِذَا اللهُ نَادَانِي بِيَوْمِ قِيَامَةٍ ** تَعَدَّيْتَ حَدَّ العِلْمِ هَلْ أَنْتَ تُوْجَزُ

أَسَأْتَ إِلى خَلْقِي وَحَقِّي تَرَكْتَهُ ** فَأَيْنَ الحَيَا مِنِّي فَإِنِّي أَكْبَرُ

دَعَوْتَ إِلى عِلْمٍ وَأَظْهَرْتَ حِكْمَةً ** وأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا عَكُوْفٌ مُشَمِّرُ

وَخَالَفْتَ مَا قَدْ قُلْتَ وَازْدَدْتَ غَفْلَةً ** وَقَلْبُكَ لِلَّذَاتِ وَالغِشِّ يُضْمِرُ

ظَنَنْتَ بِأَنِّي مُهْمِلٌ لامْرِءٍ عَصَى ** كَأَنَّكَ لم تَعْلم بِأَنَّكَ تُحْشَرُ

هُنَالِكَ يَمْتَازُ المُسِيْؤُنَ كُلُّهُمْ ** فَوَا حَسْرَتَا إِنْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحَسَّرُ

فَيَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ يَا خَيْرَ رَاحِمٍ ** وَمَنْ هُوَ لِلْزَّلاَتِ وَالذَّنْبِ يَغْفِرُ

عَصَيْتُكَ مِنْ لُؤْمِي وَنْفِسي ظَلمتُهَا ** وَذَنْبِي فِي عُمْرِي يَزِيْدُ وَيَكْثُرُ

وَلَكِنَّنِي إِنْ جِئْتُ ذَنْباً وَزَلَّةً ** أْرَجِيْكَ يَا رَحْمَنُ لِلْوَهْنِ تَجْبُرُ

وَتَغْفِرُ لِي ذَنْبِيْ وَتُصْلِحُ عِيْشَتِيْ ** وَتَرْحَمُ آبَائِي فَإِنَّكَ تَقْدِرُ

وَأَرْجُوْكَ يَا رَحْمَنُ إِذْ مَا سَتَرْتَنِي ** بِدُنْيِايَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَسْتُرُ

اللَّهُمَّ حبب إلينا الإيمان وزينه فِي قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وَاجْعَلْنَا مِنْ الراشدين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
موعظة:
إخواني إن فِي مواعظ الأيَّام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثُمَّ تحمل إلي مضائق القبور، فكم قَدْ شاهدتم من شخصيات فِي الأرض، قَدْ وضعت، وَكم قَدْ عاينتم من أبدان ناعمة فِي الأكفان قَدْ لفت وإلي مضيق الإلحاد قَدْ زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا لَهُ من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا لَهُ من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر فِي موقف مهيل موقف فِيه تنقطع الإنساب وتخضع فِيه الرقاب وتنسكب فِيه العبرات وتتصاعد فِيه الزفرات ذَلِكَ موقف تنشر فِيه الدواوين، وتنصب فِيه الموازين، ويمد فِيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس فِي النار.
دخل عمر بن عَبْد الْعَزِيز رَحِمَهُ اللهُ عَلَى سابق البربري وَهُوَ يتمثل بالأبيات المشهورة من قصيدة الأعشي.
أَجِدَّكَ لم تَذْكُرْ وِصَاةَ مُحَمَّدٍ ** نَبِّي الإلَهِ حِيْنَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا

إِذَا أَنْتَ لم تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ** وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا

نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لاَ تَكُوْنَ كَمِثْلِهِ ** وَأَنَّكَ لم تُرْصِدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا

فغشي عَلَى عمر رَحِمَهُ اللهُ فَلَمَّا أفاق قال زدنا فَقَالَ القصيدة التي تلي:
بِسْمِ الَّذِي أُنِْزلَتْ مِنْ عِنْدِهِ السُّوَرُ ** الحَمْدُ للهِ أَمَّا بَعْدُ يَا عُمَرُ

إِنْ ُكْنَت تَعْلَمُ مَا تُبْقِي وَمَا تَذَرُ ** فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ

وَاصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَقْدُوْرِ وَارْضَ بِهِ ** وَإِنْ أَتَاكَ بِمَا لاَ تَشْتَهِي القَدَرُ

فَمَا صَفَى لامْرِىءٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ ** إلا وَأَعْقِبَ يَوْماً صَفْوُهُ كَدَرُ

قَدْ يَرْعَوِي المَرْءُ يَوْماً بَعْدَ هَفْوَتِهِ ** وَتُحْكِمُ الجَاهِلَ الأيَّامُ وَالعِبَرُ

إِنَّ التُّقَى خَيْرُ زَادٍ أَنْتَ حَامِلُهُ ** وَالبِّرُ أَفْضَلُ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ

مَنْ يَطْلُبِ الجَوْرَ لاَ يَظْفُرْ بِحَاجَتِهِ ** وَطَالِبُ العَدْلِ قَدْ يُهْدَى لَهُ الظَّفَرُ

وفِي الهُدَى عِبَرٌ تُشْفَى القُلُوْبُ بِهَا ** كَالغَيْثِ يَحْيَى بِهِ مِنْ مَوْتِهِ الشَّجَرُ

ولَيْسَ ذُوْ العِلْمِ بِالتَّقْوَى كَجَاهِلِهَا ** وَلاَ البَصِيْرُ كَأَعْمَى مَالَهُ بَصَرُ

والذِّكْرُ فِيه حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا ** تَحْيَا الْبِلاَدُ إِذَا مَا جَاءَهَا المَطَرُ

والعِلْمُ يَجْلَو العَمَى عن قَلْبِ صَاحِبِهِ ** كَمَا يُجَلَّى سَوادَ الظُّلْمَةِِ القَمَرُ

لاَ يَنْفَعُ الذِّكْرُ قَلْباً قَاسِياً أَبَدَاً ** وَهَلْ يَلِيْنُ لِقَوْلِ الوَاعِظِ الحَجَرُ

مَا يَلْبَثُ المَرْءُ أَنْ يَبْلَى إِذَا اخْتَلَفَتُ ** يَوْماً عَلَى نَفْسِهِِ الرَّوْحَاتُ وَالبِكَرُ

والمَرْءُّ يَصْعَدُ رَيْعَانُ الشَّبَابِ بِهِ ** وَكُلُّ مُصْعِدَةٍ يَوْماً سَتَنْحَدِرُ

وَكُلُّ بَيْتٍ سَيَبْلَى بَعْدَ جِدَّتِهِ ** وَمِنْ وَرَاءِ الشَّبَابِ المَوْتُ وَالكِبَرُ

والمَوْتُ جَسْرٌ لِمَنْ يَمْشِيْ عَلَى قَدَمٍ ** إِلى الأمُورِ الَّتِي تُخْشَى وتُنْتَظَرُ

فَهُمْ يَمُرُّونَ أَفْوَاجاً وَتَجْمَعُهُمْ ** دَارٌ يَصِيْرُ إِلَيْهَا البَدْو والحَظَرُ

كم جَمْعُ قَوْمٍ أشَتَّ الدّهْرُ شَمْلَهُمْ ** وَكُلُّ شَمْلٍ جَمِيْعٍ سَوْفَ يَنْتَثِرُ

وَرُبَّ أَصْيَدَ سَامَ الطَّرْفِ مُقْتَضِباً ** بِالتّاجِ نِيْرَانُهُ لِلْحَرْبِ تُسْتَعِرُ

يَظَلُّ مُفْتَرِشَ الدِّيْبَاجِ مُحْتَجِباً ** عَلَيْهِ تُبْنِى قِبَابُ المُلْكِ والحُجَرُ

إِلى الفَنَاءْ وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُمْ ** مَصِيْرُ كُلِّ بَنِي أنثَى وَإِنْ كَبُرُوا

إِذَا قَضَتْ زُمَرٌ آجَالهَا نَزَلَتْ ** عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ بَعْدِهَا زُمَرُ

أَصْبَحْتُمْ جُزُراً لِلْمَوْتِ يَأْخُذُكُمْ ** كَمَا البَهَائِمُ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ جُزُرُ

أَبَعْدَ آدَمَ تَرْجُونَ الخُلُودَ وَهَلْ ** تَبْقَى الفُرُوْعُ إِذَا مَا الأصْلُ يَنْعَقِرُ

ولَيْسَ يَزْجُرُكُمْ مَا تُوعَظُونَ بِهِ ** والبَهْمُ يَزْجُرُهَا الرَّاعِي فَتَنْزَجِرُ

لاَ تَبْطُرُوْا وَاهْجُرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّ لَهَا ** غِباً وَخِيْماً وَكُفْرُ النِّعْمَةِ البَطَرُ

ثُمَّ اقْتَدُوا بِالأوْلَى كَانُوا لَكُمْ غُرَراً ** ولَيْسَ مِنْ أُمَّةٍ إلا لَهَا غُرَرُ

مَتَى تَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِكُمْ ** وَتَصْبِرُوا عن هَوَى الدُّنْيَا كَمَا صَبَرُوْا

مَا لِي أَرَى النَّاسَ والدُّنْيَا مُوَليِّةٌ ** وَكُلُّ حَبْلِ عَلَيْهَا سَوْفَ يَنْبَتِرُ

لاَ يَشْعُرُونَ إِذَا مَا دِيْنَهُمْ نُقِصُوا ** يَوْماً وَإِنْ نُقِصَتْ دُنْيَاهُمْ شَعِرُوا

حَتَى مَتَى أَكُ فِي الدُّنْيَا أَخَا كَلَفٍ ** فِي الخَدَّ مِنّي إِلى لَذّاتِهَا صَعَرُ

وَلاَ أَرَى أَثَراً لِلذِّكْرِ فِي جَسَدِي ** وَالحَبْلُ فِي الحَجَرِ القَاسِي لَهُ أَثَرُ

لَوْ كَانَ يُسْهِرُ لَيْلِي ذِكْرُ آخِرَتِي ** كَمَا يُؤَرِّقُنِي لِلْعَاجِلْ السَّفَرُ

إِذَاً لَدَاوَيْتُ قَلْباً قَدْ أَضَرَّ بِهِ ** طُوْلُ السَّقَامِ وَكَسْرُ العَظْمِ يَنْجَبِرُ

ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى المَعْصُوْمِ سَيِّدِنَا ** مَا هَبَتْ الرِّيْحُ وَاهْتَزَّتْ بِهَا الشَّجَرُ

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدورنا للإسلام وثبتنا عَلَيْهِ وَاجْعَلْنَا مِنْ حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون وصلى الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.